تقارير وتحليلات
سباق الكورد للسلام أيصطدم بحرب مفروضة؟

سباق الكورد للسلام أيصطدم بحرب مفروضة؟


علي حسين فيلي/ جغرافية الحرب في المنطقة خلال الاعوام السبعين الاخيرة تغيرت ما بين 1948 الى 1980 التي شهدت دخول لاعب مؤثر وجديد وهي اسرائيل، الامر الذي ولد حروب 1948، 1956، 1967 و1973، وبعد اتفاق "كامب ديفيد" في 1979 انتقلت رقعة الحرب صوب منطقة الخليج، ومن 1980 شهدت هذه البقعة ثلاثة حروب مدمرة، وبرز اقتتال عنيف بالوكالة بحجج صراعات داخلية وطائفية وقومية ونزاع على الحدود، وبقمة مشاكل المنطقة قَدِمَ ارهابيون من 80 دولة لتكملة عقد سلسلة المشاكل في هذه الساحة التي ما برحت ورائحة الدم تفوح منها.
النظرة العامة الى المنطقة تطغى عليها الطابع الامني على السياسي والاجتماعي، فتلك الحروب كل منها كانت بنتيجة، وعرفت دوما تغييرات بالتحالفات والحلفاء، وانتجت توسعات قومية ومذهبية بجانب اجندات خارجية، وكانت بذلك ارضا خصبة لاشتعال حرب لا حاجة لها لشرارة، ومن هذه الزاوية تعكزت دول عظمى على هذه المنطقة لتصفية الحسابات وجعلتها ساحة للاختبار.
الكورد وسط هذه الصراعات، لم تكن لديهم المساحة ان يدفعوا نفسهم بعيداً عن هذه الخلافات والحروب، فهم مثلا لم يشاركوا بحروب الوكالة، لكنهم اجبروا على قتال دفاعي، كون الدول العظمى وامبراطورياتها منذ القدم انتخبت بعناية حروبها الاقتصادية والسياسية لإنجاح اهدافها، وليس ببعيد اظهروا كيفية تعاملهم مع متطلبات الكورد، بطريقتهم الخاصة والمعتادة لحل المشاكل بفرض الحرب.
عدا ذلك ان العراق نفسه كحكومة اتحادية، فان الحديث عن قرن من الحرب وسوء العلاقات بين الكورد وجيرانهم والذي يطغى على الحديث عن العلاقات المعقدة والمستقبل المجهول والكثير من الاسباب كالارتفاع والانخفاض في دوره ليس بسيطا وممتعا. ان نجاح سياسة الكورد بحاجة الى العديد من الاشياء ومنها الاعتراف بحقوقهم الذي لا يوجد في اجنداتهم وحتى امكاناتهم لتحقيقه، لكن الكورد تمكنوا في 1991 من انتزاع ايجابية من رحم النزاع بتشكيل ادارة شبه ذاتية ولدت ادارة اقليم كوردستان الحالي.
ومن الطبيعي ان من بين اكثر من 200 دولة هناك ربعها لها علاقات مؤسساتية وجيدة مع قضية الشعب الكوردي ولكن عدد الدول التي عدا عن علاقاتها الانسانية والاقتصادية والثقافية والبروتوكولية لو صرحوا بمناصرة استقلال كوردستان فان الامر ليس مدعاة للسرور.
التقاتل موضوع قد يحدث في اية زاوية من زوايا العالم، بالفكر اللين او بملقط الاقتصاد او بنار المذهبية، او حتى بحقد العنصرية القومية او بقوة السلاح. ان تغيير الجغرافيا السياسية ليس سهلا، فايران وتركيا الجارين الكبيرين للعراق، لن يقبلا بتغيير في الجغرافيا السياسية في المنطقة بما يلحق الضرر بهما. الكورد وحدهم عليهم التخلي عن المطالب التي تغضب هاتين الدولتين. وفي ظل هذا التصلب، الحكومة العراقية لا مشكلة لديها ان تعيش وسط المشكلة وليست راضية بالوضع وواقع الحال في اقليم كوردستان.
ان اطروحة وحدة العالم الاسلامي بعد كل تلك السنوات، عدا عن التهديدات العسكرية والتقاتل الدموي، لم يكن لها اي حل اخر. الدول التي تنصح الكورد استطاعت فرض نفوذها الفكري وهيمنتها العسكرية على معظم المنطقة ولكنهم لم يستطيعوا تخليص اوضاع حياتهم ومعيشتهم من الدمار الثقافي والاقتصادي والسياسي.
فاذا اجريت مقارنة بشأن نسبة اليأس من السلطة، فان ذلك النوع من البلدان ليست انموذجا ناجحا للديمقراطية والسعادة لكي يتمسك بها الكورد.
كل الاحداث تشير الى ان هناك حرباً جديدة واسعة الافاق!، ومن اجل خلق الذريعة لتلك للحروب العالمية الماضية في القرن الماضي ظهرت الكثير من الالقاب والمسميات، ومن ثم ومن اجل منع الحديث عن التصادم بين الاديان برز مقترح حوار الحضارات ولكن كلها لم تمهد الارضية للسلام في العالم. فان متبعي الاديان التي لها اله واحد سيكررون تجربة الحرب بالاعتماد على الدين. فاليهودية لم تسامح المسيحية التي احتلت مكانها. والمسيحية واليهودية لن تسامح الاسلام الذي اقتطع جزءا من حصتهم.
في هذه المنطقة، في المنظور القومي فان كمية الحقد الذي يكنه الفرس والترك للعرب اقل مما يمكن تخيله من الحقد تجاه الكورد. فالامبراطوريتان الايرانية والتركية وعلى الرغم من ان جميع القوى العظمى في العالم تكونت بعد انهيارهما الا ان القضاء عليهما وتقطيع اوصالهما تمت بمشاركة مباشرة من العرب وباقي الشعوب الاسلامية.
واليوم فان القوى العظمى في المنطقة، تركيا وايران ليستا حليفين ستراتيجيتين لبعضهما بقدر ما هما سببان وخصوصا في عدد من الملفات مثل القضية الكوردية وباقي الشعوب. وبمعناه التاريخي، العرب لا يكرهون الكورد بقدر ما يفعله الترك والفرس. فهم من اسقطوا الامبراطورية الاسلامية العربية واصبحوا ورثتها وليس الكورد. فاين هي المشكلة المتعلقة بالكورد؟
ومن المنظور الايديولوجي الديني كسلاح مؤثر، لا يخفي كل من العرب والترك والفرس رغبتهم بقيادة العالم الاسلامي، فكل واحد منهم ليس راضيا بحجمه الحالي من ناحية المكانة والسلطة ومساحة الاراضي. ومن هذا المنظار من غير المؤمل ان يغيروا شيئا من سياستهم الحالية تجاه الكورد وشعوب المنطقة. ولم يولد جيل داخل هذه الامم يقوم بالاعتراف بإخطاء الماضي والكوارث التي حلت بالشعوب المستضعفة.
منذ زمن طويل يشكل النصر على الكورد الحرب الوحيدة التي يستطيعون التفاخر بها! فلم يستطيعوا في اية حرب اخرى ان ينفذوا اجندة استعادة هيبتهم وتوسيع حدود سلطاتهم. وحتى انهم فاشلون في توفير السلم والاستقرار. في ظل العنف يلجأون الى الحرب. تفاخرهم في مدى تأثير اسلحتهم الفتاكة لا معيار حب الشعوب.
هنا يبرز السؤال الاتي؛ ما الذي يمكن فعله ازاء مثل هذه العقليات؟ هل من الجائز ان يبقى مصير الكورد وقرارهم وسيادة اراضيهم وثرواتهم رهنا بيد اناس اخرين لكي يحصلوا على اصدقاء جدد ولا يقولوا بان الجبال وحدها هي صديقهم الوحيد.
وبحسب واقع الحال، فان اقليم كوردستان محاصر بالأراضي البرية ومن زاوية استيراد البضائع والسلع والعلاقات الاقتصادية والامن القومي مرتبط بدول الجوار، وخصوصا ايران وتركيا. وبملاحظة ان علاقات اقليم كوردستان مع العالم الخارجي ليست مستقلة، فانه قلق في اصدار قرار الاستقلال ومتعب من اصدار قراراته. مجبر على التغاضي عن السياسات التي تعد من وجهة نظر هذه الدول سببا للتوتر وعدم الاستقرار. ومن اجل تحسين استمرار تلك العلاقات سعى لاغلاق باب الحروب، ولكن ليس هناك اي ضمان لحسم المشكلات باتباع تلك السياسات. ووفقا للمنطق فانه يجب ان تكون حليف جهة تثبت لك صفاء النية.
ايران دولة فيها مشكلة كوردية وعوضا عن علاج جروحهم تسببت لهم بجروح وامراض اخرى. تركيا الامر نفسه. ومن هذه الزاوية على الرغم من اننا جيران دائميون ولكن وبحسب عقليتهم الحالية، لا يمكن عدهما حليفين يوثق بهما عند الكورد. الاختلاف في السياسة والمصالح وحتى المذهب والثقافة تجعل من تقارب الكورد مع احدهما سببا للاحتجاج وعدم الرضا من الجانب الاخر وهذه مشكلة ابدية.
اذا اراد الكورد التخلص من نفوذ التوسع لدى بلدان المنطقة، يتوجب عليه الابتعاد عن الحرب المرتقبة. ان مساعدة ومساندة القوى العظمى لاجتياز الازمات امر مؤثر، اذا اردت التخلص من جينوسايد الحكام في بلدان المنطقة فان دعم الدول التي ليست لها مشكلة كوردية امر مؤثر. ان جوهر الحديث هو ان الثورات كانت مظهرا لعدم الاستسلام، والان فان الابتعاد عن الحرب المتوقعة مظهر لكمال الاستراتيجية والفهم السياسي لمصالح الكورد.
لم تعاقب هذه القومية بسبب خرق حقوق الانسان، المساواة بين المكونات الدينية والقومية، بسبب الاختلاف في الافكار السياسية، بسبب اللادينية وعادة دين الاغلبية المسيطرة! اقليم كوردستان يظهر عليه اثار عداوتهم له. وبحسب حاجته الحقيقية يتوجب في البداية ان يهتم بالصداقة مع دول المنطقة. ان قدوم القوات الامريكية الى المنطقة لم يكن بقبول او طلب كوردي. فاذا كان التفكير واقعيا، لا يستطيع الكورد ان يمنحوا التعهدات بدلا من امريكا وحلفائها بانه ليس هناك شيء في الافق.
بالتحليل السياسي فان اصدقاء الكورد في المرحلة الحالية هم نفسهم اسباب اشعال نار الحرب المستقبلية. ان حسن العلاقات مع دول الجوار يبعد الكورد عن التهديدات. اذا استطاع التوافق مع بلد ما فلماذا لا يستطيع التوافق مع الجميع. على الرغم من انه ليس ضروريا التفكير في ارضاء جميع الاطراف لأنه شيء غير ممكن. فان منطقة من دون حرب لا تحتوي على الحياة فان مدة السلام فيها قصيرة. فاذا اندلعت الحرب من جديد فان من واجب الكورد يتلخص في اثبات والدفاع عن فكرة انه ليس لديه اي برنامج للاشتراك في تلك الحرب.