تقارير وتحليلات
راقصات عراقيات شابات يتحدين التهديد والوعيد

راقصات عراقيات شابات يتحدين التهديد والوعيد


شفق نيوز/ مدرسة الموسيقى والباليه العراقية تتحدى ظروف العراق الصعبة وتياراته المتشددة وتواصل رسالتها الفنية على مدى عقود، ما طبيعة الصعوبات، لاسيما التي تواجه الطالبات وكيف تتم مواجهتها من خلال دعم العائلة وإدارة المدرسة؟

أجيال وأجيال تخرجوا من مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد التابعة لوزارة الثقافة العراقية- دائرة الفنون الموسيقية التي تأسست منذ عام 1969، البعض من خريجيها أصبح مدربا بذات المدرسة، كما عاصرت وواجهت عدة أزمات وظروف صعبة كادت تؤدي إلى إغلاقها لكنها مستمرة بالعطاء إلى يومنا هذا بفضل إرادة إدارتها ودعم الكثيرين لها وأن كانت الإمكانيات محدودة.

إلى جانب قسم الموسيقى يحظى رقص الباليه بأهمية كبيرة في المدرسة التي تحاول دعم وتوفير كل ما يمكن للراقصين رغم الصعوبات التي تواجههم في مجتمع تسوده العادات والتقاليد المحافظة.

قلة الدعم والتخوف من المجتمع

راقصة الباليه، بلسم أحمد، ذات 16 عاما، تقول "تحقق حلمي عندما دخلت مدرسة الموسيقى والباليه فهي أعطتني كل شيء، لكن المدرسة بحاجة إلى دعم كبير لتستطيع مواكبة الحداثة والتطور". وعن ظروف الرقص تقول بلسم: "الفساتين والأحذية جميعها من المدرسة لكن أغلبها ليست جديدة بل هي نفسها قبل نحو أربع سنوات و نحن الطلاب بمساعدة مدربينا نقوم بتجديدها بإضافة اللمسات المميزة إما عن طريق الشراء على حسابنا أو بالخياطة، كما إننا بحاجة إلى ساعات تدريب طويلة وهذا غير متوفر لقلة الصفوف مع زيادة أعداد الطلبة".

منذ صغرها، تشاهد بلسم مقاطع فيديوهات رقصات الباليه وتحاول تقليدها، وعلى ضوء ذلك شجعها والدها على دخول مدرسة الموسيقى والباليه إلى جانب أختها عازفة آلة "الجوزة" وأخيها راقص الباليه. وعن الصعوبات التي واجهتها في البداية تقول بلسم: "النظرة إلى الأنثى ليست كالذكر في المجتمعات المحافظة فما بالك بشابة قررت أن ترقص الباليه مع الذكور بملابس شبه مكشوفة، بالتأكيد ستواجه انتقادات وصعوبات"، مضيفة: "لذلك قرر والدي في البداية أن أدخل الباليه من دون معرفة أحد إلى أن يأتي الوقت المناسب".

عندما عرف أقارب بلسم بموضوع رقصها للباليه وشاهدوا صورها لاقت انتقادات ومعارضة، لكن "والداي مثقفان ويفرضان شخصيتهما، لذلك أنا محتمية بهما". وعن المشاكل في هذا السياق تقول: "مرت فترة وأشخاص كثر يسألون والدي باستغراب ونبرة فيها تهديد عن سبب قيامي بالرقص علنا بجسد شبه مكشوف. على ضوء ذلك خاف الوالد علي وطلب توقفي عن الرقص لفترة، لكن بإصراري وتشجيع والدتي وتفهمه والدي أكملت الطريق".

لنظرة السلبية والإيجابية

تعيش، زينة علاء، 16 عاما، بمنطقة شعبية تدعى "الحرية" شمال بغداد، ومن المعروف أنه من الصعب على امرأة من الأحياء الشعبية في العراق عامة دخول مجالات كهذه، لكن انتمائها إلى عائلة فنية بحتة ساعدها على دخول مدرسة الموسيقى والباليه.

وعن دور عائلتها تقول زينة "أختي عازفة سنطور وأخي عازف آلة الجوزة وهما معي بالمدرسة ووالدي مطرب وعازف كمان، لذلك ثقافة وحس العائلة الفني ساعدني كثيرا على تجاوز القيود المفروضة على المرأة خصوصا في المناطق الشعبية والمحافظة". وفيما يتعلق بتعامل المحيط معها تضيف: "هنالك من ينظر لي بنظرة سلبية من المجتمع وهنالك النظرة الإيجابية بحكم ظروف البلد والتغيرات التي مرت على العراق ومنها نفوذ بعض التيارات المتشددة، لذلك نواجه قلة الدعم الحكومي والمجتمعي لرقص الباليه في العراق".   

العراق بلد الثقافة والعلم

كلمة التحدي والاستمرار وعدم الاكتراث للانتقادات السلبية لم تفارق لسان راقص الباليه، مؤيد نوار، 17 عاما، في أثناء حديثه قال: "حلمي الدخول إلى مدارس رقص الباليه العالمية لأطور من إمكانياتي في الرقص أكثر لأنه لا يوجد الدعم الحكومي الكافي لفن الباليه في العراق".  وحول كلام الناس عنه يقول: "عندما دخلت مدرسة الموسيقى والباليه أصبحت مولعا أكثر بهذا الرقص ولا اهتم أبدا لما يقال عني كراقص باليه لأنه يبقى العراق بلد الثقافة والعلم وهنالك العديد من المثقفين والمتابعين لأنواع الفنون من ضمنها الباليه". ويحظى مؤيد بدوره بدعم عائلته ومعظم الأصدقاء ويضيف: "أي مكان أذهب إليه أعرف عن نفسي بشكل طبيعي بأني راقص باليه ولا أكترث للنظرات المسيئة والانتقادات الجارحة والمحبطة".

واجهة ثقافية للعراق

 من جهته يقول مدير مدرسة الموسيقى والباليه أحمد سليم، الذي قال إن "المدرسة لها نظام خاص ويتم قبول الطلبة عن طريق اختبارات لجان متخصصة من المرحلة الابتدائية إلى الإعدادية". ويشير المدير إلى أن المدرسة تعاني من قلة الملاكات التدريسية والصفوف. بالمقابل هنالك أعداد متزايدة من الطلبة تقدم طلبات للالتحاق بها. كل ذلك لأن ميزانية وزارة الثقافة قليلة ولا تفي حاجة المدرسة".

وعن ظروف العمل يقول سليم: "بسبب الظروف التي يمر بها البلد تعرضنا لعدة أزمات بينها أزمة واجهتنا بعد الحفل السنوي نهاية شهر أبريل/ نيسان الماضي. في هذا الحفل قدمنا عدة عروض من الموسيقى ورقصات البالية ومن ضمنها رقصة تانغو بين شاب وشابة كمفاجأة للجمهور".

بعد الحفل يتابع الحديث: "تفاجئنا بنشر صور الراقصين بطريقة غير لائقة على عدة مواقع للتواصل الاجتماعي مع التهديد والوعيد، ما أثار الرعب بنفوس الطلبة فاتصلنا بالداخلية لحماية المدرسة تحسبا لأي طارئ".

 ويضيف المدير في هذا السياق: "تتعرض المدرسة أيضا إلى تهديد من بعض عائلات الطلبة كونهم من مناطق محافظة، لكنها تبقى متحدية ومستمرة ونفتخر بأننا نعد واجهة ثقافية للعراق".

المصدر: DW