مجتمع
تقرير فرنسي يرسم لوحة وردية للحياة الثقافية ببغداد

تقرير فرنسي يرسم لوحة وردية للحياة الثقافية ببغداد


شفق نيوز/ نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا تحدثت فيه عن انتعاش الحياة الثقافية في العاصمة العراقية بغداد، التي تشهد عودة المقاهي الثقافية ودور النشر، وافتتاح مدرسة للسينما.
وتزامنا مع الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في 12 أيار/ مايو، اغتنمت النخبة المثقفة العراقية هذا الحيز من الحرية لممارسة مختلف الأنشطة الثقافية.
وقالت في تقرير إن المخرجين الشابين محمد الدراجي وعدي رشيد يعملان منذ مدة على ترميم أحد المعالم التاريخية في شارع الرشيد، المعروف باسم "فيلا ساسون"، نسبة إلى العراقي اليهودي حسقيل ساسون، الذي شغل منصب وزير المالية في الحكومة العراقية الأولى بين سنة 1921 و1925.
وذكرت الصحيفة أن هذه الفيلا كانت تحت سيطرة القوات العراقية إلى غاية سنة 2004، قبل أن يتم استرجاعها بهدف إنقاذ ما بقي من ذاكرة العراق متعدد الأجناس والثقافات. وقد تحدى الشابان الاحتلال والعنف الطائفي وتملص الدولة من مسؤولياتها من أجل تحقيق الحلم بإنشاء سينما عراقية.
وفي عام 2009 وبعد انتهاء الحرب الأهلية، تحقق حلم المخرجين الشابين، بتأسيس المركز العراقي للفيلم المستقل. ولكن واجهت هذه التجربة العديد من الصعوبات المادية والتقنية بسبب ضعف التمويل الداخلي، بالإضافة إلى المشاكل الأمنية التي كانت أبرزها تتعلق بتواجد التنظيمات الجهادية والقوات الأمريكية في العراق، بحسب الصحيفة.
ونقلت "لوموند" قصة المخرج العراقي يحيى العلاق، الذي روى الصعوبات التي كانوا يتعرضون لها أثناء عمليات التصوير، حيث تم اختطاف أفراد من الطاقم من قبل تنظيم القاعدة بتهمة العمالة للأمريكيين. ولكن عندما أطلق سراحهم، تم اعتقالهم مجددا من قبل الأمريكيين لنفس التهمة.
وتحدثت الصحيفة عن فيلم "الرحلة" لمخرجه محمد الدراجي، الذي لم يكن لينجح لولا التمويلات التي تلقاها من الخارج. وفي الواقع، يحاول الدراجي أن يعيد العلاقة التي كانت تجمع العراقيين بالسينما، بعد أن أغلقت صالات العرض البالغ عددها 300 صالة أبوابها الواحدة تلو الأخرى، منذ عهد الديكتاتورية وجراء الحرب التي مزقت العراق.
وأشارت إلى عودة المسرح، حيث شهد المسرح الوطني الواقع في الحي الرئيسي لمنطقة الكرادة في بغداد، بداية العرض الأول للاحتفال بالمشهد المسرحي البغدادي الجديد. وباستثناء بعض المسؤولين العراقيين والأجانب، يجتمع في المراكز الثقافية العديد من الفنانين من أجل استغلال هذا الهامش من الحرية الذي أتيح لهم.
ويتفق هذا الجمع من الفنانين على مكافحة الطائفية والأصولية الدينية، التي لطالما أرقت المجتمع العراقي.
ومنذ سيطرة تنظيم الدولة على جزء من الأراضي العراقية، شهدت العاصمة بغداد نوعا من الحرية الثقافية النادرة، خاصة مع خروج الميليشيات الشيعية للقتال خارج المدينة واهتمام هيئات الرقابة بأمور أخرى غير الحياة الثقافية.
وتطرقت الصحيفة إلى الحركية الكبيرة التي يشهدها الشارع الرئيسي لمنطقة الكرادة بمحاذاة المسرح الوطني، حيث تنتشر العديد من المحلات التجارية والمقاهي الثقافية التي يرتادها الشباب العراقي في مجموعات يتجاذبون فيها أطراف الحديث. كما يطل أحد هذه المقاهي على أحد المساجد الشيعية المعروفة "بالحسينية" وكنيسة أرمينية، في مشهد ينم عن التنوع الحضاري.
كما يرتاد هذه المقاهي العديد من الوجوه المألوفة، على غرار بطلة فيلم "الرحلة" زهرة غندور، والكاتب أحمد سعداوي صاحب الرواية الشهيرة "فرانكشتاين في بغداد". وفي السابق، كانت هذه المنطقة هدفا للعديد من التفجيرات خاصة خلال سنة 2016، والتي أودت بحياة المئات من المدنيين.
وتطرقت الصحيفة إلى النشاط الثقافي الذي ينظمه مقهى "قهوة وكتاب"، وهو من بين المقاهي الثقافية الواقعة في شارع المتنبي الذي يشهد حركية كبرى خاصة يوم الجمعة، ويوفر الكتب لزبائنه.
وقد صرح صاحب المقهى العائد من لبنان "أن المحل يستقبل المتقاعدين صباحا ثم العشاق في فترة ما بعد الظهيرة، بينما يرتاده المثقفون مساء للاستمتاع بأفضل الأمسيات الشعرية".
وتنتشر في شارع المتنبي العديد من دور النشر، أبرزها دار "السطور" لصاحبها ستار محسن علي، التي أسسها سنة 2011 وتعنى بالفلسفة والأدب والتاريخ. وتعمل مع ستار محسن علي شابة تبلغ من العمر 29 سنة، وهي مهندسة تدعى براء البياتي، التي آثرت العمل الثقافي جنبا إلى جنب مع الرجال دون أي مشاكل، وقد أسست بعد ذلك الفضاء الخاص بها من خلال محل تعرض فيه الكتب والصور وغيره من الأمور التي تعنى بالثقافة.
ونقلت الصحيفة عن صاحب دار "السطور" للنشر، "أن الرقابة التي كانت مفروضة على الأدب والفن في العراق لم تعد تشكل عائقا بعد هذا الهامش الجيد من الحريات، الذي سمح بعودة الكتاب ودور النشر".
فضلا عن ذلك، يشهد مقهى الحفلات "الفيصلية" حضورا مكثفا للعنصر النسائي في إطار العرض الثقافي البغدادي. وتقام في هذا المقهى العديد من الحفلات لموسيقى الروك وغيرها من الأنماط الموسيقية مع المحافظة على بعض القواعد مثل منع استهلاك الخمور.
وفي الختام، أوردت الصحيفة ما أدلى به أحد الحاضرين في مقهى "الفيصلية"، يدعى زين محمد، الذي تحدث عن المضايقات التي كانوا يتعرضون لها في البداية من قبل الميليشيات المتواجدة في المدينة، والتي طالبت بإغلاق هذا الفضاء. ولكن بمرور الوقت، تضاءلت هذه المضايقات.
ويأمل زين محمد أن تساهم الانتخابات القادمة، المزمع عقدها بتاريخ 12 أيار/ مايو، في تكريس المزيد من الحريات.