مقالات
صداع البحث العلمي

صداع البحث العلمي


مثل كل عراقي، لي دماغين لا ينفكان يتعارضان، مثل ما يذكر العلامة علي الوردي حول ازدواجية الشخصية عند العراقي، لكنه على غير ما اراد الوردي من معنى، فانهما يتعارضان في الوقت ذاته... عندما يُطرح علي امر  يأخذ كل دماغ موقفا مغايرا للآخر مما يحرجاني ويرهقان اعصابي. دماغ "واقعي" ودماغ "عاطفي"!

كلما تسكعتُ بين مسارب الشبكة العنكبوتية والفيسبوك، اخرجت لي لسانها قضية تصنيفات الجامعات العراقية، ومستويات البحث العلمي فيها، فأعد عرض الموضوع على الدماغيين وأشرع انصت لمداولاتهما الحامية. وقد صرت اميل تدريجيا الى طريقة الدماغ "العقلاني" أي طريقتي العادية في التعامل مع المستجدات العلمية من غير السياسية والتربوية التي تخص العراق، مستندا الى المعطيات نفسها التي يقدمها الدماغان الاخران.

أمام ما ترسخ واستعصى من احوال، هل نحن نتقدم او نتأخر في البحث العلمي؟ واليكم مناسبة السؤال: نشر أحد الاصدقاء الأكاديميين في الفيسبوك مستعرضا نتائج (مؤشر اتش) وهو مؤشر لقياس كل من الانتاجية (عدد البحوث) والتأثير الانتشاري (عدد الاشارات) للباحث او الجامعة او البلد. واستناداً الى هذا المؤشر أحتل العراق في عام 2017 المرتبة 126 من اصل 232 بلداً خلف السودان في المرتبة 120 وسوريا في المرتبة 103 وبسبب هذا التأخر (مقارنة بهاتين الدولتين المتخلفتين!)، يطلب من البرلمان العراقي فتح تحقيق مع مسؤولي التعليم العالي عن ما اسماه بالفضيحة.  بعد قراءة هذا المنشور وجد دماغي "العقلاني" فرصته الذهبية ليحسم امر التطور او التأخر في بحوثنا العلمية.

من مراجعة سريعة لقاعدة البيانات SJR County Rankings

والتي يبدو ان صديقي قد اعتمد على نتائجها، وجدت التالي:

1- ان العراق ومنذ عام 1996 (كما واضح هو العام التي ابتدأ فيه تسجيل هذا المؤشر)، يحتل المرتبة 126 من دون تغيير لا صعودا ولا نزولا. لازلت لا اعرف سببا "عقلانيا" لثبات المرتبة.

2- ان عدد النشريات (البحوث) في العراق في ازدياد مستمر بمرور الزمن وهو ما ادى الى صعود ترتيبه من 104 في عام 1969 الى 76 في 2011 واستمر في الصعود الى مرتبة 70 في عام 2015 ثم قفز في العام 2017 الى المرتبة 61.

3- لو قورن ترتيب العراق بعدد البحوث المنشورة في مجلات عالمية بتلك التي نشرتها دول مماثلة لوجدنا فرقا هائلا، فمثلا انه في عام 2017 نشر العراق 3902 بحثا مقارنة بالسودان 793، وسوريا 423، والكويت 1580، وليبيا 451. ومن المثير للدهشة ان كوريا الشمالية لم تنشر الا 42 بحثا محتلة المرتبة 158 في مؤشر اتش.

4- ما يثير الاهتمام وليس الاستغراب ان دولا نشرت عددا اقل من المنشورات العلمية كانت قد احرزت درجات اعلى في مؤشر اتش من العراق (مؤشر اتش = 80) مثل سوريا (103) والسودان (120). وعلى العكس نجد ان دولا اخرى نشرت عددا كبيرا من المنشورات العلمية الا انها احرزت معدلات واطئة نسبيا في مؤشر اتش مثل المغرب حيث نشر 6495 بحثا ولم يحصل الا على مؤشر اتش 70 والامارات نشرت 5914 وحصلت على مؤشر اتش 65. لاحظ اننا نتحدث عن الدرجة الحقيقية لمؤشر اتش وليس على ترتيب البلد.

5- من النادر ان نجد العراق بعيدا عن الصومال في مؤشرات الرفاهية والتطور والاستقرار والفساد وغيرها الا انه في التعليم العالي والبحث العلمي بعيد كل البعد عن هذا البلد الذي اصبح مثالا على التخلف فعدد البحوث التي صدرت عنه مجرد 40 بحثا فقط ودرجة مؤشر اتش 21 وترتيبه العالمي 206.

من هذا استنتج دماغي "العقلاني" بالتعاون مع الدماغ "الواقعي" وبابعاد دماغي الثالث "العاطفي" الذي لم يتجاوب مع اخويه ما يلي:

1- ان زيادة عدد البحوث بالرغم من اهميته لا يعكس بالضرورة زيادة في مستويات البحث العلمي او رصانته.

2- لم تستطع البحوث التي اجريت في الخارج من قبل الطلبة المبتعثين وغيرهم من رفع ترتيب مؤشر اتش للنوعية.

3- مساهمات الجامعات البحثية الرائدة كجامعة بغداد هي الاساس في تحقيق الزيادة في عدد البحوث وتبقى مساهمات بعض الجامعات الرسمية والجامعات الاهلية دون المستوى المطلوب.

4- ان كل الضجيج حول اداء الجامعات البحثي لن ينتج طحينا طالما تبقى نسبة الاوراق المنشورة إلى عدد التدريسيين في السنة الواحدة اقل من 1.

5- انه في حالة تبديل الاولويات الى نشر ورقة واحدة سنويا لكل جامعة في المجلات العشرة الاولى كالنيجر والساينس فأن مؤشر اتش سيرتفع بدرجة فعالة.

6- ارتفع معدل نشر الاوراق العلمية بصورة كبيرة منذ 2015 مما يدل على نهج وزاري مشجع خصوصا بعد ارتفاع الوعي والدافعية لاحراز مستويات عالية في التصنيفات الدولية.

7- أننا نتقدم في البحث العلمي ولكن تقدمنا محفوف بالمخاطر فلو خصصت الدولة جزءا من ميزانيتها للبحث العلمي، ولو ارتقى الوعي العلمي البحثي للتدريسيين العراقيين، ولو وضعت الجامعات اولويات محددة تتركز على زيادة عدد ومستوى البحوث العلمية، ولو ازداد التعاون المشترك مع الباحثين الغربيين، ولو اهتمت الجامعات بنوعية البحث بالاضافة لكميته، ولو اهتم الباحث بعملية البحث لا بنواتجها فقط، ولو قضى الباحث معظم يومه في الجامعة بدلا من مغادرتها عند الظهيرة، ولو خصصت جوائز مالية كبيرة للبحوث العالمية الراقية، ولو.. ولو.. لاحتل العراق مراكز متقدمة جدا في التصنيفات العالمية لنواتج البحث العلمي.

آه.. كم كنت اتمنى ان لا اخوض نقاشا في هذا الموضوع فهو نقاش لا يتجاوب فيه دماغي "العاطفي" مع "الواقعي" وهما يتجنبان الحديث مع دماغي "العقلاني".