تقارير وتحليلات
تقرير بريطاني يكشف كواليس محاكمة المشتبه بانتمائهم لداعش في العراق

تقرير بريطاني يكشف كواليس محاكمة المشتبه بانتمائهم لداعش في العراق


شفق نيوز/ نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا لمديرة مكتب الصحيفة في بغداد مارغريت كوكر، والصحافي فالح حسن، حول محاكمات المشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش.
وتبدأ الصحيفة تقريرها بسرد قصة أمينة حسن، وهي امرأة تركية في الثانية والأربعين من العمر، منحها القاضي دقيقتين لتدافع عن نفسها في التهمة الموجهة إليها، وهي دعم تنظيم الدولة، فقالت المرأة للقاضي العراقي إنها وعائلتها دخلوا سوريا والعراق بشكل غير قانوني، وكانوا يعيشون في المنطقة التي يسيطر عليها التنظيم، لكنها أضافت: "لم أتقاض أي مال من الدولة الإسلامية، لقد أحضرت مالي معي من تركيا".
ويشير التقرير، إلى أن المحكمة كاملة استمرت لمدة 10 دقائق قبل أن يعلن القاضي الحكم عليها بالإعدام شنقا، ثم دخلت المحكمة امرأة تركية أخرى، ثم أخرى، وفي ظرف ساعتين تمت محاكمة 14 امرأة، والحكم عليهن جميعا بالإعدام.
ويعلق الكاتبان قائلين إن هذا ما قام به الجهاز القضائي منذ الانتصارات التي حققتها الحكومة ضد تنظيم الدولة، التي أدت إلى اعتقال آلاف المقاتلين والموظفين والأقارب، حيث تتهمهم السلطات بدعم حكم التنظيم، الذي دام 3 سنوات على حوالي ثلث البلد.
وتلفت الصحيفة إلى أنه في الوقت الذي يحاول فيه ملايين العراقيين جاهدين التعافي من سفك الدماء والدمار، فإن رئيس الوزراء حيدر العبادي وجد دعما واسعا لدفعه باتجاه تسريع المحاكمات، وللعقوبة بأقصى ما يسمح به القانون، وفي حالة العراق الإعدام.
وينقل التقرير عن المتحدث باسم قيادة العمليات العراقية المشتركة الجنرال يحيى رسول، قوله: "لقد ارتكب مجرمو تنظيم الدولة هؤلاء جرائم ضد البشرية وضد شعبنا في العراق، في الموصل وفي صلاح الدين وفي الأنبار وفي كل مكان.. ووفاء لدماء الضحايا ووفاء للشعب العراقي يجب أن يعاقب المجرمون بالإعدام، العقوبة التي تردعهم وتردع من يتعاطف معهم".
ويستدرك الكاتبان يأن المنتقدين يقولون بأن المحاكمات السطحية في محاكم خاصة بمكافحة الإرهاب شملت المتفرجين والأقارب، بالإضافة إلى المقاتلين، وتقوم بإعدام معظمهم في عملية تهتم بالانتقام أكثر منها بالعدالة، مشيرين إلى أن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان حذر من أن العيوب في العملية القضائية ستؤدي في الغالب إلى حالات "إجهاض للعدالة" غير قابلة للتصحيح.
وتنوه الصحيفة إلى أن منظمة "هيومان رايتس ووتش" انتقدت العراق؛ للاعتماد على قانون فضفاض للحصول على أعلى عقوبة لمعظم الناس، فقانون مكافحة الإرهاب يسمح بالحكم بالإعدام على أي شخص، "يرتكب أو يحرض أو يخطط أو يمول أو يساعد في عمليات إرهابية"، أي أن المحاكم العراقية تصدر حكما يناسب المقاسات جميعها، لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، ولزوجات مقاتلي التنظيم، اللواتي في الغالب لم يكن لهن رأي فيما يتعلق بالعمل الذي يقوم به الزوج.
ويورد التقرير نقلا عن كبيرة الباحثين في العراق لمنظمة "هيومان رايتس ووتش" بلقيس واللي، قولها: "لا تهم الظروف الشخصية.. الطباخون والعاملون الصحيون، كلهم يحكم عليهم بالإعدام".
ويجد الكاتبان أن السقف المتدني للإدانة بموجب القانون يعني أيضا أن المحاكم لن تهتم في التحقيق في بعض أسوأ الجرائم التي يعتقد أن أعضاء في تنظيم الدولة ارتكبوها، مثل الاستعباد، والاغتصاب، والقتل خارج إطار القانون.
وتذكر الصحيفة أن وزارة العدل العراقية ترفض هذه الانتقادات، وتشيد بنزاهة قضاتها ومقاييسها للعملية القضائية، حيث يقول القاضي والمتحدث باسم وزارة العدل عبد الستار البيرقدار: "إن كانت هناك أدلة يقدم المشتبه فيه للمحكمة، وإن لم تكن هناك أدلة ضدهم يطلق سراحهم".
ويفيد التقرير بأن الحكومة لم تصدر إحصائيات حول عدد المعتقلين بتهم الإرهاب، إلا أن شخصين مطلعين على ما يجري في المحكمة، ليسا مخولين بالتحدث إلى الصحافيين، قالا إن هناك حوالي 13 ألف شخص محتجزون، حيث تم اعتقالهم للاشتباه بعلاقاتهم بتنظيم الدولة منذ عام 2017، عندما تمت معظم الاعتقالات.
ويشير الكاتبان إلى أن "هيومان رايتس ووتش" قدرت في كانون الأول/ ديسمبر، بأن هناك ما لا يقل عن 20 ألف معتقل لدى السلطات العراقية متهمون بعلاقات مع تنظيم الدولة، فيما قالت "أسوشيتد برس" في تقرير لها بأن العراق قام باعتقال ما لا يقل عن 19 ألف شخص منذ عام 2014؛ بتهم العلاقة مع تنظيم الدولة أو جنايات أخرى تتعلق بالإرهاب.
وبحسب الصحيفة، فإن الكثير من هؤلاء السجناء اعتقلوا في ساحة المعركة، فيما اعتقل بعضهم بعيدا عن المعارك، بناء على معلومات تم الحصول عليها من المخبرين ومحققي السجون.
وينقل التقرير عن مسؤولين أمنيين عراقيين، قولهم بأن المعتقلين المهمين، المتهمين بارتكاب هجمات إرهابية بعينها، مسجونون بشكل منفصل عن معظم السجناء الذين يعتقد أنه كان لهم دور أقل في تنظيم الدولة، لافتا إلى أنه منذ صيف عام 2017، تم تحويل أكثر من 10 آلاف حالة إلى المحاكم، بحسب المطلعين على عمل المحاكم، الذين قالوا إنه حتى الآن تم إكمال حوالي 2900 محاكمة، حيث وصلت نسبة الإدانة إلى 98%، ولم يقولوا كم من تلك الحالات تم الحكم عليها بالإعدام، أو كم هي عدد حالات الإعدام التي تمت.
ويورد الكاتبان نقلا عن وزارة العدل، قولها في بيان لها بأن 11 شخصا تم إعدامهم يوم الاثنين، متهمين بارتكاب "جرائم إرهابية"، وذلك وفاء "بوعد الحكومة بقتل المسؤولين عن سفك دماء العراقيين"، حيث كان من بين أولئك المعتقلين بمعزل عن بقية السجناء حوالي 1350 امرأة أجنبية و580 طفلا، معظمهم سلموا للجيش العراقي في آب/ أغسطس خلال العمليات العسكرية لتحرير تلعفر، ومعظم هؤلا من الأتراك والروس ومن آسيا الوسطى.
وتلفت الصحيفة إلى قول العراق إنه مصر على محاكمتهم ليجد أن كانت هناك أدلة تربطهم بتنظيم الدولة، مستدركة بأن بعض بلدانهم الأصلية، مثل السعودية، طلبت تسليم بعض مواطنيها، أما بلدان أخرى، مثل بريطانيا وفرنسا، فهي مترددة في تسلم مواطنيها، بحسب المسؤولين في البلدين.
ويكشف التقرير عن أنه تمت إعادة أشخاص إلى بلدانهم في حالات قليلة، مثل مجموعة من النساء الروسيات، و27 طفلا في شباط/ فبراير، بعد أن توصلت السلطات العراقية إلى أنهم خدعوا في القدوم للعيش في مناطق التنظيم، مشيرا إلى أن تركيا تحاول استعادة الأطفال الذين أخذهم أهلهم للعيش في مناطق سيطرة التنظيم، بالإضافة لمن ثبتت براءته من ارتكاب أي خطأ.
ويقول الكاتبان إنه "بالنسبة لبلد كان على مدار 15 عاما حاضنة للتطرف، وتمزق بسبب التفجيرات الإرهابية، فليس لدى العراقيين استعداد للتسامح أو اهتمام بالظروف المخففة، التي قد تعد في بلد آخر أساسا لإبداء شيء من الرأفة، وينظر إلى الأجانب بشكل خاص على أنهم كانوا من أشد أعضاء تنظيم الدولة حماسا؛ لأنهم انتقلوا من بلدانهم ليعيشوا فيما يسمى (الخلافة)".
وتقول بلقيس واللي، التي شهدت عشرات محاكم الإرهاب: "أكثر ما يقلقني في هذه المحاكم هو أن النظام يميز ضد الأجانب.. حيث الافتراض هو أنه كونك أجنبيا يعني أنك كنت تعيش في مناطق تنظيم الدولة، ولا حاجة لتقديم أي أدلة أخرى".
وتنوه الصحيفة إلى أنه تمت إدانة 14 امرأة في مساء واحد من هذا الشهر؛ 12 منهن تركيات واثنتين من أذربيجان، تتراوح أعمارهن بين 20 إلى 44 عاما، وكن يعشن في الرقة، لكنهن انتقلن للعيش في العراق بعد الغارات الجوية على الرقة، ووفاة بعض أزواجهن، وكن من بين الذين تم اعتقالهم خارج تلعفر.
ويصف التقرير هؤلاء النسوة بأنهن "هزيلات ومنطويات ومحاطات بالشرطة المدنية، انتظرن في ممرات محكمة مكافحة الإرهاب في بغداد؛ لبدء محاكماتهن، وكان معهن 11 طفلا، قضوا الثمانية أشهر الماضية في الاعتقال مع أمهاتهم، وهم اليوم معهن في المحكمة".
ويبين الكاتبان أنه عندما تمت دعوة أمينة حسن للمحكمة، فإنها سلمت ابنها لسجينة أخرى ريثما تتم محاكمتها، التي حاولت جهدها لإسكات الطفل ذي الشعر الأجعد، وبدا أن بعض السجينات كن يتمتمن بالأدعية.
وتفيد الصحيفة بأن محاميهن، الذين عينته الحكومة لهم، علي سلطان، قال إنه لم يجهز للمحاكمة، وأضاف أنه لا يستطيع الاطلاع على الأدلة ضد موكليه؛ لأن الأدلة على قضايا الإرهاب سرية، وأضاف أنه يتقاضى 25 دولارا على "الرأس" حتى لو ذهبت القضية للاستئناف، وهذا ما لا يشجعه على بذل الجهد، حيث لا يدفع الرسم إلا بعد أن ينتهي الاستئناف الأخير أو يتم إعدام الموكل، الذي قد يأخذ شهورا، بل سنوات.
ويكشف التقرير عن أنه بعد قيام القاضي أحمد العامري بالحكم على حسن بالإعدام، فإنه قام بسرعة بإتمام محاكمة بقية الأشخاص على القائمة، وقالت له نيجار محمد بأنها بريئة من أي جرائم تتعلق بتنظيم الدولة، لكنه حكم بغير ذلك.
وتختم "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى أن نازلة اسماعيل، قالت للقاضي إن زوجها أكره العائلة للذهاب إلى سوريا، وبأن ثلاثة من أطفالها قتلوا في غارة جوية، وأشارت إلى طفلها الوحيد الذي نجا هو ابنها الأصغر البالغ من العمر عامين، واسمه يحيى، وهو ينتظر خارج قاعة المحكمة في الممر.
arabi21