منوعات
رجل ادّعى النبوة في الصين وتسبب في حرب أهلية على مر التاريخ

 رجل ادّعى النبوة في الصين وتسبب في حرب أهلية على مر التاريخ


تُعد الحروب الأهلية أتعس حلقة في تاريخ الشعوب، فخلالها يتناحر أبناء الوطن الواحد مخلفين دماراً واسعاً ببلادهم وصفحة سوداء في تاريخهم. رغم ذلك، لا يخلو التاريخ الإنساني من عدد هائل من الحروب الأهلية التي تسببت في سقوط مئات الملايين من القتلى ولعل أبرزها الحرب الأهلية الأميركية والحرب الأهلية الإنجليزية والحروب الدينية بفرنسا والحرب الأهلية الروسية والحرب الأهلية الإسبانية والحرب الكورية.

وشهد العالم ما بين سنتي 1850 و1864 أعنف حرب أهلية على مر التاريخ الإنساني، وكانت الصين مسرحاً لهذه الكارثة الإنسانية التي تسببت في مقتل عشرات الملايين بسبب رجل ادعى النبوة وأعلن للعالم أنه "شقيق المسيح".

منذ طفولته، تميّز هونج إكسيوكوان بمستواه العلمي الرائع حيث تمكن من حفظ عدد هام من كتابات الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، فضلاً عن ذلك وعلى الرغم من الحالة المادية السيئة لعائلته، واظب هونج على دراسته أملا منه في التقدم إلى برنامج الوظيفة العمومية الصيني والحصول على وظيفة مرموقة بهدف تحسين الوضع المادي لعائلته.

للأسف لم تكلل محاولة هونج إكسيوكوان الأولى في اللحاق بالوظيفة العمومية بالنجاح حيث تم قبول نسبة ضئيلة جداً من المترشحين، ولهذا السبب انتقل هونج نحو منطقة جوانزو بهدف الترشح مرة ثانية هناك.

خلال تجوله بشوارع جوانزو سمع هونج قسيسا أمركيا بصدد الحديث عن المسيح والجنة وقد شد هذا الحديث انتباه هذا الشاب الصيني. مثّلت هذه اللحظة لحظة هامة في تاريخ الصين، فمن خلال هذا الحديث الذي سمعه من القسيس سيقدم هونج لاحقاً على بلورة فكرة جديدة متسبباً من خلالها في أعنف حرب أهلية على مر تاريخ البشرية.

خلال تواجده بمنطقة جوانزو، فشل هونج إكسيوكوان في الالتحاق بالوظيفة العمومية وبعد حوالي سنة، فشل الشاب الصيني مرة ثالثة، ليدخل على إثر ذلك في حالة نفسية صعبة جعلته يهذي حيث تحدّث عن أحلام غريبة تراوده حول

 

رجل ذي لحية ذهبية، وقد نادى هذا الرجل هونج بـ"ابنه" ودعاه "لتخليص الصين من حكم الشياطين".

سنة 1843 وعلى إثر فشله للمرة الرابعة في اللحاق بالوظيفة، أقدم هونغ على تأويل أحلامه السابقة بشكل فردي ليعلن للجميع حينها أنه "الشقيق الأصغر للسيد المسيح" داعياً الأهالي لمساندته من أجل "تخليصهم من الشياطين وطرد الأجانب وخلق مملكة السماء على الأرض".

مطلع سنة 1850، بلغ عدد أتباع هونج إكسيوكوان 10 آلاف شخص وخلال أشهر قليلة تضاعف هذا العدد مرات عديدة حيث التف عدد كبير من الفلاحين والمزارعين حوله أملا في تحسين حالتهم المعيشية، ومع حلول شهر يناير سنة 1851، قاد هونغ ثورة عارمة اجتاحت مناطق واسعة من الصين وهددت سلالة تشينج الحاكمة.

خلال فترة وجيزة نجح أتباع هونج إكسيوكوان في الهيمنة على مناطق واسعة من الصين وسيطروا على العاصمة القديمة للبلاد نانجينج، وعلى إثر ذلك أعلن هونج عن قيام ما يعرف بـ"مملكة تايبينج السماوية" والتي اعتمدت نظاما سياسيا غريبا. حال إعلان قيام مملكته، أرسى هونج إكسيوكوان نظاما اعتبره كثيرون خليطا بين تعاليم المسيحية والشيوعية المعاصرة، حيث تم اعتماد المزارع المشتركة ووزع الغذاء بالتساوي بين الجميع، فضلاً عن ذلك تم تقسيم المجتمع إلى نصفين حيث عاشت النساء في جهة والرجال في جهة أخرى، إضافةً إلى كل هذا أمر هونج بالتخلص من كل ما يرمز للنظام الصيني وسلالة تشينج بداية من مؤلفات كونفوشيوس وصولاً إلى تعاليم الديانة البوذية والتقويم. طُبقت القوانين بصرامة مطلقة داخل ما يعرف بـ"مملكة تايبينج" حيث عوقب بشدة كل من خالفها،إلا أنه لم تطبِّق أي منها على الحاكم هونج إكسيوكوان، والذي لم يتردد في إحاطة نفسه بالعديد من الحسناوات.

في حدود سنة 1860، بلغت قوة "مملكة تايبينج" أوجها حيث قُدر عدد سكانها بنحو 30 مليون نسمة، فضلاً عن ذلك كانت قوات سلالة تشينج الصينية الحاكمة غير قادرة على مجابهتها، لكن مع بداية سنة 1861، اتخذ هونج قرارا سيئا تسبب في نهاية مملكته حيث أقدم على محاصرة منطقة شنغهاي التجارية العالمية مستغلاً بداية الحرب الأهلية الأميركية.

لم يرق قرار محاصرة شنجهاي للبريطانيين الذين اعتمدوا على هذه المنطقة التجارية من أجل نقل الأفيون إلى الصين، وعلى إثر ذلك أقدمت بريطانيا على جلب مزيد من قواتها من مستعمرتها بالهند بهدف شن حرب سريعة ضد "مملكة تايبينج".

على الرغم من نقصها العددي استغلت بريطانيا تفوقها التكنولوجي لتتمكن خلال فترة وجيزة من إلحاق هزيمة ساحقة بقوات هونج والتي تراجعت إلى حدودها السابقة، فضلاً عن ذلك استغلت سلالة تشينج الحاكمة بالصين هذا الأمر لتشن هجوما مضادا ضد "مملكة تايبينج".

خلال فترة وجيزة اتخذت الحرب منحى خطيرا، حيث تحول المدنيون إلى الهدف الرئيسي للنزاع تزامنا مع انتشار المجاعة بالمنطقة. فضلاً عن ذلك لم تتردد قوات كلا الطرفين في إبادة قرى بأكملها حال التشكيك في ولاء أهاليها. على إثر معارك ضارية، أجبرت قوات "مملكة تايبينج" على التراجع نحو مدينة نانجينج والتي فرض جنود سلالة تشينج حصاراً خانقاً حولها، وفي حدود سنة 1864 ومع اشتداد الحصار عانى أهالي المنطقة من مجاعة أهلكت الملايين.

أمام تفاقم المجاعة حاول هونج إكسيوكوان إقناع أتباعه بتناول الأعشاب، فبعد خطاب حماسي بين الجماهير التقط الأخير بعض الأعشاب وأكلها. مع الأسف كانت هذه الأعشاب التي تناولها هونج سامة وعلى إثر ذلك فارق الأخير الحياة بعد معاناة وآلام شديدة.

خلال الفترة التالية تمكنت قوات سلالة تشينج من اقتحام مدينة نانجينج وأعدمت نسبة كبيرة من سكانها، كما تم استخراج بقايا جثة هونج إكسيوكوان من القبر قبل أن تحرق أمام أعين الجميع.

استمرت هذه الحرب الأهلية التي عصفت ببلاد الصين 14 سنة بعد أن تسبب فيها رجل ادعى النبوة معلناً نفسه "شقيق السيد المسيح"، فضلاً عن ذلك أسفرت هذه الحرب الأهلية عن مقتل حوالي 25 مليون شخص لتصنف كأعنف حرب أهلية على مر تاريخ البشرية.