مقالات
أوكِ كوكل

أوكِ كوكل


 

مَن يتعامل أو يتحاور معه، في قضية أو مشكلة أو حدث، على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الواقع سيكتشف ما اكتشفته أنا، ففي إحدى مكالمات الفيديو الجماعية التي أجريناها معاً من خلال تطبيق (Messenger) كنت متأمّلاً بكامل حوّاسي على الأسلوب الذي كان يخاطب ويتعامل به الصديق مصطفى سليم "مجّـو كُولَك" مع ريزان صالح إيبو، وهو يحمرّ غاضباً رافضاً حقيقة أنه أعمى، بل يحلف ويستحلفه بكلّ الأديان والأنبياء والأرباب بأنه بصير لا ضرير.

 

أشهر كفيف كوردي على شبكات التواصل الاجتماعي في غربي كوردستان، شابٌّ "كوبانيٌّ"، مشاغب ومشاكس بفكره القيّم وصراحته، محبّ للحياة والوطن والصداقة وللإنسانية. لا يعتبر أن فقدانه لبصره يمثّل له أيّ نوع من الإعاقة. ينشر على الفيس بوك، ويغرّد في تويتر، بأفكار جريئة ومواضيع مجتمعية، دون خوف أو مجاملة عاطفية، يتمتّع بحسّ الدعابة الجميلة والذكاء الحذر، تؤكّد الشعور بالرضا والتحدّي. يطبخ، يعدّ الشاي والقهوة، يجلي، يستحمّ، يزور إخوته وأصدقائه بمفرده، فيصعب أن تعرف أنه كفيف البصر.

 

بين المكفوفين هو حالة عامة، وبين المبصرين هو حالة خاصة ونادرة، يعمل على دراسة تتعلّق بإضافة الأبجدية الكوردية إلى نظام «برايل»، استخدم فيها الأحرف اللاتينية للأمير جلادت بدرخان، إلا أن الإعلام الكوردي لم ينصفه حتى الآن، ليس بصفته أعمى وأنه يحتاج إلى رعاية إنسانية، لأنه يستطيع أن يرعى خمس عوائل ببصيرته؛ بل يحتاج إلى دعم إعلامي؛ لإيصال رسالته ودراسته للجهات الدولية المعنية بالمكفوفين، وتطوير ما لديهم من أفكار وابتكارات.

 

خفيف الروح والظلّ، عنيد، حذر حسّاس في المواجهات، لا يعرف الرحمة عندما يخطئ أحد ما بحقّه ويتعدّى على حقوقه وحدوده، يدرك جيّداً معنى الوعي والتفاهم، فهو مع حرّية الإنسان بغضّ النظر عن القومية أو الدين أو المذهب أو الإيديولوجية، ولكن، وبسبب الحرب السورية، واقتراب الفصائل المسلّحة من مركز مدينة حلب اضطرّ إلى ترك المدرسة، بناءً على رغبة والده، الذي كان يُجري عملية قلب مفتوح آنذاك.

 

يحلم مثل جميع البشر، إذ ثمّة حلم وحيد يعيش من أجله ليحقّقه، مرتبط بمدينته كوباني، بشكل جنوني، يتمسّك بالحياة بكلّ ألوانها وفصولها وطقوسها، حالة فقدان البصر التي توحّدت به روحاً وجسداً لم تمنعه من التمتع بكلّ تفاصيل حياته، بل قوّت بصيرته، وسخّرت عجزه في الرؤية إلى نشاط وديناميكية في الوعي والفكر.

 

يفرغ طاقاته السلبية من خلال الغناء بصوت عالٍ، وبمفرده، وباختياره للأغاني الفلكلورية والكلاسيكية والحديثة، الكوردية والعربية، مختلف في الاستماع للموسيقى التي تؤثّر على فكره ومزاجه، عربية كانت أم كوردية، فهو بشكل عام يرفض اتّباع الأساليب المتّبعة، إذ يستطيع الاستماع إلى رشيد صوفي أو أم كلثوم عند الاستيقاظ؛ لا يؤمن بأن للموسيقى أوقات محدّدة، لا قدرة له على فهم موسيقى هذا الجيل الذي يرتبط به بالعمر فقط، فنادراً ما يسمع أغنية أو مقطوعة تعبّر عنه.

 

دخل إلى عالم مواقع التواصل الاجتماعي، وشارك فيها كفاعل مؤثّر ومتفاعل متأثّر، وكتب أول مشاركة له في الفيس بوك، والتي تعود لتاريخ 11 نيسان 2013:

أيّها الناس

هل تعرفون مَن أنا؟

أنا الألوان الستّة

وينقصني لوناً حتى أكون ألوان قوس قزح

ولكن لن أستسلم

وسأبقى شبيهاً بالقوس والقزح

أنا القمر

وكُتِب في حياتي أن أكون هِلالاً،

وأن لا أتحوّل إلى بدر

وسأبقى محافظاً على جمالي كما لو كنت بدراً

أنا علم كوردستان

بلا أحد الألوان

فمحبّة شعبي تعوّضني عن لوني

أنا صوت أمّهات الشهداء

ولا أستطيع الصراخ

ولكن العالم كلّه يصرخ عني

وأنا القلب الذي يعشق حبيبته بجنون

دون أن يرى وجهها

ألا يقال أن الحبّ أعمى

لن أخبركم أكثر عني

فعيناي ستخبركم

 

لطالما كان العمى والمجتمع الأعمى خصمين متحاربين، فلا هذا على صواب ولا ذاك على حقّ، ولأن العمى أيضاً جزء من أجزاء المجتمع، فهو يرى بأن معظم السلبيات هي في المجتمع، رغم هذه الحرب المشتعلة التي لا تنطفئ، بين مَن يكون عالة على المجتمع، وبين مَن يكون المجتمع عالة عليه، ففي حالة ريزان فالمجتمع كان عالة عليه وعلى دراسته.

 

يرى أن الدراسة لا تهمّه كشخص بقدر ما تهمّ المكفوفين الكورد, فطريقة بريل هي الوحيدة التي يتمّ تداولها بين مكفوفي العالم. ولأن الأمّة الكوردية كباقي الأمم لها جغرافيتها وتاريخها ولغتها وحضارتها, فبدأت المدارس في غربي كوردستان بتدريسها، وبشكل ضئيل جدّاً، وكذلك بعض الجامعات، فهو يرى أنه من حقّ المكفوفين الكورد أيضاً تعلّم لغتهم وفق رموز بريل.

 

وقفت عائلته إلى جانبه وساعدته, حيث ألحقوه وهو لا يتجاوز العاشرة من العمر بمدرسة داخلية في مدينة حلب، أما بالنسبة لإخوته فكلّهم ساعدوه ووقفوا إلى جانبه، وحتى هذه اللحظة هم معه دائماً, إلا واحدة من أخواته، والتي لم تستطع تقبّل فكرة أنه أعمى، وهذا ربّما يحصل في أيّ عائلة, ولكنها حتى لو تقبّلت الفكرة فهي غير قادرة على تقبّل فكرة أنه ككفيف له استقلاليته وحرّيته الشخصية.

 

إن المجتمع الكوردي يستخدم مصطلحات يومية طاغية مثل "أعمى، معاق، أطرش، أخرس.."، ليصف بها كحالة رفض مقيتة، للتعبير عن مشاعر كره أو سخرية أو محبة، إلا أنه لم يقف عند هذه المصطلحات؛ فكلمة أعمى تعتبر صفة وليست مصطلحاً مُهيناً كما هو مُشاع في المجتمع, مَن يريد أن يوصف بصفته لأن ينزعج من الموضوع، أيّ شخص لا يعرف ريزان صالح إيبو يعرفه بريزان الأعمى، وأيّ شخص لا يعرف إدريس سالم يعرفه بإدريس المعاق، وهذه ليست مشكلة أبداً، فهناك مَن يقال عنه بأنه طويل وآخر قصير إلى آخره.

 

يقول ماجد ع محمد، الكاتب والصحفي، وهو الذي نشر المادة الحوارية التي أُجريتها مع ريزان صالح في صفحته على موقع الفيس بوك أنه ليس فقط في قصيدته "عيناي ستخبركم" يعجز الكثير من المبصرين الكورد ملاحظة ما رآه الكفيف ريزان إيبو، إنما كان هذا رأيي بريزان منذ عامين تقريباً، بالضبط في حمأة الصراع الأيديولوجي الكوردي – الكوردي، وحيث تورّط الكثير من النشطاء والساسة الكورد في خوض سباق التفضيل بين هولير وقنديل، بينما الشاب ريزان إيبو فلم يمنعه عماء البصر من أن يلاحظ أكثر من عشرات المبصرين المخدوعين ببضعة هتافات قومية لتنظيم لا قومي.

 

حقيقة بتنا نحن الأضِرّاء وليس ريزان، إذ لا زلنا مشكوكين – بعقولنا الكفيفة – في أنه مبصر وليس ضرير، في أنه يتحايل علينا، ويتلاعب بعواطفنا، إلا أن الحقيقة هو أن هناك مَن يصبح عالة على مجتمعه، أما في حالته فقد أصبح المجتمع عالة عليه، ربّما هو لا يرى بأنه يمتلك عزيمة صلبة إلا أن الواقع العملي والعلمي يؤكّد بأنه صاحب تلك العزيمة، ربما هو وكلّ ذوي الاحتياجات الخاصة يقبلون أن يكونوا على هامش المجتمع، إلا أنهم جزء من هذا المجتمع.

 

ريزان، القوي الضعيف، المحبّ من الجميع، والذي كلّما أُحادثه ويُحادثه غيري في مكالمة صوتية، تتحوّل تلك المكالمة من ثنائية إلى جماعية، إذ الشخص الثالث هو كُوكل، ذاك الناطق الذي دائماً يعكر صفو حديثنا، حيث يكلّمه ريزان كصديق، يعيش معه أغلب الأوقات، ويكون وفياً، يلبّي معظم احتياجاته الخاصة المتعلّقة بالأدوات التكنولوجية. لا قمر في حياته ولا شمس ولا نجوم، لا يرى إلا ذاك اللون الذي نرتكبه بحماقاتنا وضمائرنا اللاهثة للمال والشهرة والسلطة.