مقالات
انعكاسات سقوط الطائرة الروسية على الكرد

انعكاسات سقوط الطائرة الروسية على الكرد


  ليس دفاعا عن إسرائيل ولا دعما لمعنويات الكرد، ولا تطمينا لإيران على الأراضي السورية، ولا تبريرا للذين باعوا المعارضة في أسواق النخاسة وفي مقدمتهم تركيا، ولا هو بمؤشر للمعارضة المنافقة والسلطة الإجرامية على أن الحرب وضعت أوزارها، بل لمعرفة ما تخطط له روسيا وأمريكا على أرض الواقع وحيث مصالحهما، ومن من أدواتهما سيكون الرابح.

أسقطت الطائرة إل 20 الروسية فوق المياه السورية بمخطط روسي، وهذا يعد من بين أكثر الاحتماليات القريبة إلى الحقيقة، وذلك على خلفية مجريات الأحداث الجارية والمتوقعة ظهورها قريبا، وتمت لغايات متعددة، قريبة وبعيدة المدى، وإسرائيل أخر من يجب أن يتهم، وعلى الأغلب فيما لو لم تسقط هذه الطائرة وبهذه الخدعة العسكرية، لقامت روسيا بخلق حدث مشابه لا تقل عنها جريمة دولية، لإيجاد المبرر لذاتها في تنفيذ مخططها، وبأسرع وقت ممكن، والعملية مشابه للتي تمت فيها إسقاط طائرتها على الأراضي التركية، وعلى أثرها فرضت شروطها على أردوغان، وأتمتها بإنقاذه من الانقلاب المفتعل، واستطاعت احتضان تركيا، أو بالأحرى خلق شرخ بينها وبين الناتو، وبها سرعت وسهلت في القضاء على المعارضة السورية  المسلحة، وإضعاف الجانب الأمريكي مؤقتا في المنطقة.

 فلم يكن موقفا عاديا ولا منطقيا، ولا هي من صفات بوتين التراجع، لكنه تراجع في مؤتمر القمة الثنائي مع أردوغان في سوتشي، بعكس موقفه في مؤتمر القمة الثلاثي السابق. فالموافقة على وقف مخطط طرد الإرهابيين من إدلب، وبحجج واهية كثير ما قدمت مثلها ورفضت من قبل بوتين، ولم يكن قد مر على القمة الأولى أسبوعان فقط، وكان فيها الخلاف بينهم واضحا على إدلب.

لا يشك أي محلل سياسي أن إسرائيل ليست بهذه السذاجة، لتقوم بخلق شرخ بينها وبين روسيا، كما ولا توجد أية مصلحة تكتيكية أو إستراتيجية لها في إسقاط الطائرة أو التضحية بهدف روسي، ومن المعروف أن نتنياهو يتردد على موسكو بشكل شبه دائم، وكثيرا ما تكون الزيارات بدون رسميات وبروتكولات دبلوماسية، وعملية إسقاط الطائرة معروفة بكل تفاصيلها للمحللين العسكريين الروس قبل العالم وقبل أن تقدم إسرائيل توضيحاتها، وبوتين يدرك تماما مجريات الحدث، ولهذا لم يقم باتهام إسرائيل كحدث عرضي أو إلقاء التهمة على الطيار الإسرائيلي كعملية لإنقاذ ذاته فيما لو اشترطنا جدلا أنه قام بالتخفي وراء الطائرة الروسية الأقل سرعة، والتي ترفضها إسرائيل جملة وتفصيلا، وتشدد وزارة الدفاع الروسية وبأمر سياسي على موقف بوتين الرافض للمبررات الإسرائيلية، علما وبعدم نكرانهم على أنها أسقطت بنيران صديقة، مع ذلك يتخذون من هذه الحادثة المفتعلة(برأينا) لإدخال الأسلحة المتطورة إلى سوريا، بحجة حماية سماء سوريا حيث التواجد الروسي ظاهريا، وفي الواقع الغاية أبعد من هذا.

وقد جلب الحدث العديد من التساؤلات، منها كيف لطائرة، بهذا القدر من التكنلوجيا، تسقط وبهذه السهولة، ونحن هنا لا نعالج الإشكاليات السياسية وتبادل المعلومات العسكرية، والتي كثيرها أصبحت معرفتها روتينية بين الدول المتجولة في سماء سوريا، ولذلك يبقى السر فيما وراء المشهد، وهي أن روسيا أرادت إيصال أسلحة متطورة للدفاع الجوي ومنها، أسلحة إلكترونية، والصواريخ س- 300 إلى سوريا كقوة روسية مساندة لقاعدتها وعملياتها في المنطقة، علما أن قاعدة حميميم تملك الصواريخ الأكثر حداثة ومنذ فترة وهي الس-400 لكن الجديد ستوزع خارج القاعدة. وهي في الواقع موجهة لأمريكا قبل أن تكون لإسرائيل، ولحماية إيران قبل أن تكون لسوريا، والوجود الإيراني تقوية للوجود الروسي في المنطقة. ولهذا وللحد من التحركات الجوية في المنطقة لا بد من حماية تحت الأيدي القوات الروسية، وهذا ما أعلنت عنه وهي أن جيش بشار الأسد لا يملك خبرة التعامل مع هذه الصواريخ.

فلم تكن موافقة اعتباطية من قبل روسيا تأجيل عملية إدلب، وقبول الشروط التركية، والتي فيها بعض الإملاءات الأمريكية، فقد تبينت من خلال تحليلنا للحدث والموقف الروسي، أن بوتين أجل عملية قصف الإرهابيين إلى حين إيصال الصواريخ س-300 إلى الأراضي السورية، والإعلان عنها وبشكل واسع، كانت رسالة مباشرة لأمريكا، وتهديد مبطن لها، في حال إذا أرادت قصف القوات السورية في إدلب، أو في غيرها من المواقع المحتملة، تحت حجة استخدامهم الأسلحة الكيميائية، أو وضعتها كحجة للقصف، وهي تتوقع أن تدفع بأمريكا على إعادة التفكير بأية عملية محتملة قبل أن تقدم عليها، هذا ما تريده روسيا إيصالها إلى الأمريكيين في المدى القريب، وهي ما دفعت بالإدارة الأمريكية بالاحتجاج ومن عدة مراكز، على إرسال الصواريخ إلى سوريا، منبهة أن روسيا بهذه الخطوة تصعد من خطورة الوضع في المنطقة.

وتبقى الغاية الرئيسة أكثر تعقيدا، وهي أن روسيا لا تريد لحليفتها إيران الخروج من سوريا، وما صرحت به سابقا في هذا الخصوص كانت للإعلام، لأنها تدرك أن غياب إيران بأي شكل تضعف مكانتها في المنطقة، وسيكون من السهل لأمريكا حينها جعل سوريا أفغانستان ثانية بالنسبة لروسيا، ولا يستبعد في هذه الحالة العودة إلى  دعم أطراف من المعارضة، ولربما تقديم صواريخ ضد الطائرات، المساعدات التي غابت عن ساحات المعارضة السورية، وجعلت من المعادلة العسكرية ناقصة وغير متكافئة بين السلطة والمعارضة على مدى السنوات الأخيرة من الصراع، وتبينت من خلالها مدى نفاق الدول، الداعية، المساعدة أو تساعد المعارضة، والتي لم تحرك ساكنا أمام القصف الجوي الهمجي للسلطة وروسيا على المجتمع السوري المدني، قبل أن تكون على الإرهابين أو المعارضة. وهذه الجدلية تؤكد أن جميع الدول في النهاية كانت متفقة على إنهاء المعارضة السورية بكل أشكالها وعلى رأسها المسلحة، لأن معظمهم اقتنعوا أنها معارضة أصبحت وبدون منازع تمثل الإرهاب، علما أن تلك الدول استطاعت باستخدامهم التعتيم أو القضاء على المعارضة الشعبية. وهذا بعكس ما فعلته أمريكا عندما كانت تساعد المعارضة في أفغانستان وتقدم لهم الصواريخ المضادة للطائرات، فتمكنت من إسقاط قرابة 400 طائرة سوفيتية.

وهنا فعملية إسقاط روسيا لطائرتها، وضعت المنطقة أمام إشكالية ديمومة الوجود الإيراني في سوريا، وبالتالي البقاء الأمريكي في المنطقة الكردية، والتي أصبحتا جدلية متكاملة، رسخت شروطها كل من وزيري أمريكا، الخارجية والدفاع، وكررها مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي جون بولتن، بل وتم إضافة شروط أعقد مقابل ما تقوم به روسيا، منها الوجود الإيراني ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة، وكذلك الانتقال السياسي للسلطة في سوريا، وهذه الشروط تكرس البقاء الأمريكي في سوريا، وبالتحديد في المنطقة الكردية، وبما أنها بلغت حد بناء شبه قواعد ثابتة، خاصة بعد الاقتناع ومنذ سنوات، أنه لا بديل عن الكرد في التحالف، أو لنقل تسخيرهم لتمرير مخططاتها، ومن أجل مصالحها، مع ذلك فالبقاء الأمريكي يصب وبشكل مباشر لصالح القضية الكردية ومستقبلها في سوريا أن لم نقل في المنطقة بشكل عام، ولا شك هذه تعتمد على مدى وعي الحراك الكردي الفكري والسياسي، وإمكانياتهم على خلق تقارب بين قواهم لتشكيل هيئة دبلوماسية تمثل الشعب الكردي في المحافل الدولية، وتكون لها أهميتها في الهيئات العالمية.

وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة خمود القوى السياسية الكردية في النشاطات الدبلوماسية إلى درجة شبه العدم، وهي ما فاقمت من أثر الانتكاسات المتتالية، ولم يتم أي تدارك لهذه الإشكالية، خلال السنتين الماضيتين، وإن أستمرينا على هذا الواقع، من التشتت وعدم محاولة تشكيل هيئة دبلوماسية تمثل الشعب الكردي، فإمكانيات نجاحنا، اعتمادا على العوامل الموضوعية لوحدها، ستصبح هزيلة، والوجود الأمريكي في المنطقة الكردية ستكون حالة حماية مؤقتة ولن تؤدي إلى تكوين كيان ما كإدارة فيدرالية أو ذاتية متطورة، وبالتالي سنظل في المحور الخاسر كبقية القوى الوطنية في المنطقة، بل حظوظهم أفضل لوجود سلطات تمثلهم بشكل أو أخر، علما أن إمكانياتهم الفكرية والسياسية ليست بأفضل من الكردية.